ابن بسام

169

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

بالمروءة فاكتسبوا لديه مقتا [ 1 ] . فظلّ يزداد مع الأيّام استكبارا ، ويبطن تدبيرا ، ويسيء تفكيرا [ 2 ] . أخبرت أنّه قال [ له ] يوما بعض بطانته عندما رآه يرتكب من الفواحش : خفّض عليك ، فقال له : وما علينا ؟ واللّه ما بها كلب ينبح فيجتمع إليه . وما علم الحائن [ 3 ] الشقيّ أنّ هناك شبل أسد جهوريّ قد لبد لبطش / به وهو عبد الملك الأصغر من إخوته ، لم يستشر في الفتك به غير نفسه [ 4 ] . فلمّا كان في يوم السبت لسبع بقين لرمضان سنة خمس وخمسين أعدّ له رجّالة في فصيل أبيه ، وأقام هو ينتظره ، وأرسل عنه رسولا كان أبوه يوجّهه عنه . فلمّا وصل إلى باب ابن جهور ومعه من أصحابه الناشبين معه نزر يسير ، وأراد النزول على حجر لاصق بالباب ، وإذ بعبد الملك قد قام عليه بخنجر أعدّه له فضربه ثمّ خرج عليه الرجّالة المعدّون له وابتدروه كالصّقورة بالسّيوف وحزوا رأسه . وركب من حينه عبد الملك وجعل رأسه على رمحه وطيف به البلد كلّه حتى انتهى إلى داره « دار اللذّة » ورمى رأسه للعامّة ، فعاثت فيه ، وكسروا أنيابه ونتفوا لحيته ، فأصبح شأنه عجبا . واحتوى عبد الملك على تلك الدار حازها بما فيها ، وعلى أصاغر غلمانه . واجتاز على السّجن وأطلق من فيه . وسمع أبوه محمد بن جهور خبر الواقعة فخرج دهيشا ، ورآه مجدّلا فارتاع وتلهّف ، وانتهر ابنه وهو يحاول تطويف الرأس ولم يقف على أبيه . وأمر ابن جهور بستر جسده في دهليز الإصطبل . وتقدّم بإصلاح أبواب المدينة ، وركب إلى المسجد الجامع وقد دخل الناس في السّلاح وجاشوا جيشا عظيما ، وأبدوا بقتل ابن السقّاء سرورا عظيما ، وأعلنوا بالشّمات به وإقداح القول فيه . وقعد ابن جهور بالمسجد الجامع على كرسيّ المصحف ، وبادر المجيء إليه لأوّل الهيشة الوزير الزّمن ، بقية وزراء الفتنة ، أبو إسحاق / ابن حمام عدوّ ابن السقّاء كأنّما أنشط من عقال . وقتل ذلك اليوم من حاشيته نحو من عشرين رجلا . واعتصم أخوه بمنار المسجد الجامع فنجا . وانطلقت أيدي الناس على [ أتباعه ] [ 5 ] فنهبت دورهم . ثم أمر ابن

--> [ 1 ] ص : معنى . [ 2 ] ص : تفطيرا . [ 3 ] ص : الخائن . [ 4 ] من قول الشاعر : فلم يستشر في أمره غير نفسه * ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا [ 5 ] بياض في ص .